الغزالي
148
إحياء علوم الدين
ما كان الله ليذيقك الموت مرتين ، فقد والله توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم خرج إلى الناس فقال : أيها الناس ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد رب محمد فإنه حيّ لا يموت . قال الله تعالى * ( وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِه ِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) * « 1 » الآية . فكأن الناس لم يسمعوا هذه الآية إلا يومئذ . وفي رواية [ 1 ] أن أبا بكر رضي الله عنه لما بلغه الخبر ، دخل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعيناه تهملان . وغصصه ترتفع كقصع الجرة ، وهو في ذلك جلد الفعل والمقال . فأكب عليه ، فكشف عن وجهه ، وقبّل جبينه وخديه ، ومسح وجهه ، وجعل يبكى ويقول : بأبي أنت وأمي ، ونفسي ، وأهلي ، طبت حيا وميتا ، انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء والنبوّة ، فعظمت عن الصفة ، وجللت عن البكاء . وخصصت حتى صرت مسلاة ، وعممت حتى صرنا فيك سواء . ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لحزنك بالنفوس . ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء العيون : فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وادّكار محالفان لا يبرحان . اللهم فأبلغه عنا ، اذكرنا يا محمد صلى الله عليك عند ربك ، ولنكن من بالك ، فلو لا ما خلفت من السكينة لم يقم أحد لما خلفت من الوحشة . اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا وعن ابن عمر ، أنه لما دخل أبو بكر البيت وصلى وأثنى ، عج أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلى كلما ذكر شيئا ازدادوا ، فما سكن عجيجهم إلا تسليم رجل على الباب صيت جلد قال : السلام عليكم يا أهل البيت * ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) * « 2 » الآية [ 2 ] إن في الله خلفا من كل أحد ثم أكب عليه فقبله وبكى ثم قال بأبي وأمي أنت والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها ولهما من حديث ابن عباس ان أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس - الحديث : وفيه والله لكأن الناس لم يعلموا ان الله انزل هذه الآية تلاها أبو بكر لفظ البخاري فيهما
--> « 1 » آل عمران : 144 « 2 » العنكبوت : 57